24‏/02‏/2009

عبد الرحمن مخلوف.. نصف قرن في تخطيط المدن


الدكتور عبد الرحمن مخلوف المدير الأسبق لدائرة تخطيط المدن في أبوظبي عام 1968م والتي تركها في عام 1976م ليؤسس مشروعه الخاص وهو المكتب العربي للتخطيط والعمارة، له العديد من المقالات والأحاديث في الصحافة ووسائل الإعلام عبر أربعين عاما في الامارات تحدث فيها عن مدن إمارة أبوظبي وعن العمارة وتخطيط المدن الإسلامية والاتجاهات المعاصرة السائدة عالمياً في مجال التخطيط العمراني، فقد أمضى حياته بأكملها في تخطيط وإعمار المدن أكاديميا وتطبيقيا خلال أكثر من نصف قرن في مصر وألمانيا والسعودية والإمارات.

ود. مخلوف تخرج من جامعة القاهرة كلية الهندسة قسم العمارة عام 1950، وعمل بها مدرسا بعد حصوله على الدكتوراة 1957م، وانتدب خبيرا للأمم المتحدة لتخطيط المدن في المملكة العربية السعودية من 1959م-1963م، قام أثناءها بإنشاء جهاز تخطيط المدن بالمملكة، وأنجز مشروعات التخطيط العمراني لكل من جدة ومكة والمدينة المنورة وينبع وجيزان، ثم عاد إلى القاهرة عضوا في هيئة التدريس في الجامعة، وعين أستاذا مساعدا لتخطيط المدن عام 1956م، وحقق تطويرا في منهج تدريس مادة تخطيط المدن بأقسام العمارة في جامعات القاهرة وأسيوط والأزهر.وكان أول من قام ببحث علمي عن أوضاع ومستقبل مدينة القاهرة والجيزة واقترح فيه المدن الصحراوية التابعة على طريقي السويس والفيوم واقترح الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.
أبوظبي.. المرحلة الرابعة
يقول الدكتور مخلوف: كانت أبوظبي المرحلة الرابعة في حياتي، حيث عملت فيها منذ أكثر من أربعين سنة، وباختصار شديد تعد إمارة أبوظبي من العلامات المضيئة على طريق النهضة الشاملة التي قادها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، بدأت على يديه مع بداية تأسيس النموذج الرائد لدولة عربية تواكب التقدم العالمي وتستند إلى مرتكزات حضارية تاريخية عصرية، فهي مدينة عصرية متميزة تتيح لسكانها حياة منتظمة آمنة، وخدمات بأعلى المستويات وأرقى المعدلات العالمية لها رونق وبهاء، كما أنها ذات إشعاع ومكانة دولية على كافة الأصعدة وبإسهاماتها الفعالة سياسياً واقتصادياً وحضارياً.
وكانت الأبعاد التي رسمها سموه في مجال تكوين المدن يتلخص مضمونها وشكلها في بعدين متلازمين؛ توفير الحياة الكريمة للإنسان والتشكيل الجميل للمكان، وهذه الأهداف اكتسبت أوصافا في مراحل زمنية متتابعة في البداية، كانت أحلاما ثم آمالا، وكان التصور إزاء بعضها يتراوح بين المنال والمستحيل، وكانت هذه الأحلام في فكر قائد المسيرة آمالا وأهدافا يسعى إلى تحقيقها بثقة وعزيمة وبمشاعر إيمانية عميقة وإخلاص، وسرعان ما شهد المكان في عقدين من الزمان ثمرات الرحلة الناجحة لأحلام زايد ورؤاه من تصور في الخيال إلى واقع ملموس.
وتحولت الأراضي الجرداء إلى حدائق غناء في المدن والقرى وتشجير جوانب الطرق، وانتشرت المزارع ذات الثمار من فاكهة ونخيل وخضروات.
والآن لدي ما أدعو إليه وأعتبره على درجة كبيرة من الأهمية، وهو نشر الثقافة العمرانية على أوسع نطاق باعتبار ذلك ضرورة عصرية وأن يكون الخطاب عنها في المحافل الثقافية، وعبر وسائل الإعلام، موجها في المقام الأول إلى الإنسان والمجتمع، وذلك في ضوء عدة حقائق، الأول المستوى المتميز لمدن الإمارات في عصر النهضة بتوفيق من الله سبحانه وتعالى وهو من ثمرات جهود وإنجازات رائد النهضة المغفور له الشيخ زايد وإخوانه حكام الإمارات الذين عمرت قلوبهم إرادة التطوير ومواكبة العصر بعزم وعزيمة في إطار من الالتزام بمقومات التراث الإسلامي على نحو شامل ومتكامل اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.
والثاني آلية التنفيذ كانت بالتشكيل الناجح لمؤسسات التخطيط والتنفيذ ومتابعة تطويرها بأحدث الوسائل والتكنولوجيا العالمية، أما الطرف الثالث في منظومة العمران وبناء المدن، فهو المجتمع والأفراد من خلال المؤسسات وسلوكهم حيث يشكلون مستوى الحياة بالمدن لذلك فإن نجاح النهضة العمرانية يتحقق بالانضباط الذاتي لأفراد المجتمع ومساهماتهم الإيجابية ومن هنا تتأكد حقيقة أن الثقافة العمرانية بكافة موضوعاتها ضرورية في مضمار الارتقاء نحو الأفضل.
مهمة إنسانية قديمة
ويؤكد د. مخلوف أن تخطيط المدن من المهام الإنسانية القديمة لضمان الاستقرار، وقد مارسه الإنسان منذ آلاف السنين «خمسة آلاف سنة على الأقل»، وكانت التجمعات الإنسانية صغيرة الحجم وعناصرها محدودة وواضحة، وكان إيجاد الشكل والمعالم المنظورة للمدن هو أقصى غاية الاهتمام، ومن ثم كانت أهم موضوعات تخطيط المدن هي اختيار الموقع، التشكيل والتنظيم الداخلي، وإنشاء أسوار وحصون وخنادق الحماية من الغارات عليها.
ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت التغيرات والتعقيدات في مدن الدول الصناعية وتبعها في ذلك سائر بلاد العالم بدرجات متفاوتة وفي أوقات وظروف مختلفة.
ومن العناصر والمكونات التي أخذت طريقها إلى المدن واتسع نطاقها: وسائل الانتقال، وسائل الاتصال، توليد الطاقة، شبكات المرافق، الخدمات، الصناعة، المباني الإدارية وغيرها، كما تبع ذلك انتشار المدنية- أي المعيشة في المدن، ونتج ذلك عن ظاهرة الهجرة إلى المدن بمعدلات عالية جدا، وزيادة حجم المدن وزيادة عدد سكانها.
وهذا التطور في أساليب الحياة ووسائلها قابله تغير موضوعي في مدى وأبعاد تخطيط المدن ومن ثم شموله لاعتبارات وأبعاد عملية وفنية وسياسية وإقليمية.
ولا أبالغ في القول بأن تخطيط المدن في العالم المعاصر بين مجالات التوجيه والقيادة الفكرية والنشاط الإنساني من أكثرها شمولا ومن أكثرها طموحا، كأن يضع الأسس والنظريات التي من شأن تطبيقها أن يجعل المدينة بيئة صالحة للحياة العصرية من جميع جوانبها، وأن يضع أساليب تطبيق النظريات وخطة تنفيذها.
فتخطيط المدن يتعامل مع الطبيعة، مع المجتمع، مع الاقتصاد، ويقابل الحاضر وكل احتياجاته، وينظر إلى المستقبل ومتطلباته وفي نفس الوقت يحمل على عاتقه تركه من الماضي أحيانا هي تراث يحافظ عليه أو مشاكل يتحتم علاجها. وتعدد الأبعاد الموضوعية والأبعاد الزمنية يؤكد المسؤوليات الخطيرة التي يحملها على عاتقه بالنسبة لتشكيل المدينة وأسلوب الحياة فيها، وينطوي على مقابلة مستمرة للحياة في المدن واحتكاك دائم وتفاعل مع الناس والأشياء والأحداث بهدف السيطرة على المشاكل ومقابلة الاحتياجات على نحو متكامل ومتوازن، فتخطيط المدن له جانبين أحدهما فكري في مرحلة الإعداد، والثاني عملي في مرحلة التنفيذ.
وفي ظروف مدن الإمارات فإن التداخل بين الإعداد والتنفيذ تداخل مستمر، ومن ثم فإن التحديات متعددة كبيرة في جميع الخطوات، ناهيك عن أهمية التحسب للنتائج المحتملة لأي اختيار يتم تنفيذه، وتأثيره على مستوى الحياة يسرا وعسرا وعلى تكوين المجتمع حضاريا وثقافيا وأخلاقيا.
رسالة اجتماعية واقتصادية
ويضيف د. مخلوف: إن تخطيط المدن من حيث نتائجه وأثره على حياة الناس هو رسالة اجتماعية في المقام الأول، ذلك لأن الظروف المحيطة بالإنسان في سكنه وعمله ذات تأثير مباشر على كيانه ونمائه ماديا ومعنويا، لذلك فتخطيط المدن وتنظيمها عملية ذات رسالة اجتماعية اقتصادية في نهاية الأمر لما تؤديه نتائجها من دور بناء في رقي أهلها ومستوى حياة سكانها.
لذلك يمكن القول إن التخطيط عمل عملي في جوهره، لأنه الإعداد الفكري الذي يسبق الفعل ومن ثم نسلم بضرورة الأخذ به أسلوبا في كافة المجالات وعلى كل المستويات الفردية والعامة، ومن واجبنا أن نسعى دائما إلى تحسين أسلوب أدائه وأن نرفع مستواه الى مرتبة الكفاية والكفاءة والترشيد، أي حسن التصرف في الموارد والوقت، بما ينفع الناس في مختلف أغراض حياتهم ومستقبلهم .
وقد نشأ لدي عن هذين المفهومين الاقتناع بمبدأ هام أن تكون مهام تخطيط المدن مسؤولية عامة، يقوم بها ويطورها جهاز حكومي لتخطيط المدن، وفي رأيي أن ذلك ضروري لتحقيق أهداف هامة، مثل استقامة الأمور في مرحلة الإنشاء والتطوير على نحو يضمن المصالح العامة ؟أساسا- والخاصة بما لا يتعارض معها، ويعد للمستقبل عدته، وإعطاء هذا الجهاز حجمه المؤسسي الصحيح ضمانا لشغله بالكفاءات المناسبة على مستوى الإدارة العليا والمراتب التي تليها، وتشجيع أبناء البلاد لدراسة هذا التخصص الحيوي الهام.
لقد أثر مفهوم تخطيط المدن في تشكيل مسارات أدائي في مسيرتي العملية وذلك اعتبره من مقومات النجاح، مثل الشعور الصادق بأنه رسالة اجتماعية سداها الإخلاص ولحمتها التجرد، أن تجري في إطار مؤسسي بإنشاء وتدعيم الأجهزة الحكومية المتخصصة لتخطيط المدن وحماية صلاحيتها، توثيق العلاقة والمشاركة في التخطيط المركزي والتنسيق والتعاون مع الأجهزة ذات العلاقة، تفعيل مشاركة المجتمع بنشر الثقافة العمرانية في الصحافة ووسائل الإعلام واستطلاع الرأي العام في شتى القضايا العامة ومواضيع الإهتمام، المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية ذات العلاقة (محليا-إقليميا÷عالميا).
وفي تلك المسارات كانت لي جهود ومساهمات في إنشاء أجهزة تخطيط المدن في السعودية وفي مصر«القاهرة الكبرى»، وفي الإمارات «أبوظبي والعين»، والمشاركة في التخطيط المركزي في السعودية وفي أبوظبي، والمشاركة في المؤتمرات والندوات المحلية والعالمية، والخطاب الإعلامي في السعودية والإمارات.


=============================


ليست هناك تعليقات: